النويري
218
نهاية الأرب في فنون الأدب
عليه ، وعادّة له منذ أهانه اللَّه تعالى في سالف الدهر ، لا منجى منه إلا بعضّ الناجذ على الحقّ ، وغضّ الطرف عن الباطل ، ووطء هامة عدوّ اللَّه بالأشدّ فالأشدّ ، والآكد فالآكد ، وإسلام النفس للَّه عزّ وجلّ في ابتغاء رضاه ؛ ولا بدّ الآن من قول ينفع إذا ضرّ السكوت وخيف غبّه ، ولقد أرشدك من أفاء ضالَّتك ، وصافاك من أحيا مودّته بعتابك ، وأراد لك الخير من آثر البقاء معك ، ما هذا الذي تسوّل لك نفسك ، ويدوى « 1 » به قلبك ، ويلتوى عليه رأيك ، ويتخاوص « 2 » دونه طرفك ، ويسرى فيه ظعنك ، ويترادف معه نفسك ، وتكثر عنده صعداؤك ، ولا يفيض به لسانك ؟ أعجمة بعد إفصاح ؟ أتلبيس بعد إيضاح ؟ أدين غير دين اللَّه ؟ أخلق غير خلق القرآن ؟ أهدى غير هدى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ؟ أمثلي تمشى إليه الضّراء وتدبّ له الخمر « 3 » ؟ أو مثلك ينقبض عليه الفضاء ويكسف « 4 » في عينه القمر ؟ ما هذه القعقعة « 5 » بالشّنان ؟ وما هذه الوعوعة باللسان ؟ إنك واللَّه جدّ عارف باستجابتنا إلى اللَّه عزّ وجلّ ولرسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبّتنا للَّه « 6 » عزّ وجلّ ولرسوله ونصرة لدينه ، في زمان أنت فيه في كن الصّبا ،
--> « 1 » يدوى : من الدوى بفتح الواو ، وهو داء باطن في الصدر . « 2 » التخاوص : غض البصر مع تحديق كمن يقوم سهما . « 3 » قال في اللسان مادة ضرا : يقال للرجل إذا ختل صاحبه ومكر به : هو يدب له الضراء ويمشى له الخمر ، ويقال : لا أمشى له الضراء ولا الخمر ؛ أي أجاهره ولا أخاتله ؛ والضراء الاستخفاء . ثم قال بعد ذلك نقلا عن ابن شميل : ما وار لك من شئ وادرأت به فهو خمر . « 4 » نقل عن ثعلب أن الأجود أن يقال : كسفت الشمس ، وخسف القمر انظر اللسان والمصباح مادة « خسف » . « 5 » قال في اللسان مادة قعع : وفى المثل فلان لا يقعقع له بالشنان ، أي لا يخدع ولا يروّع ، وأصله من تحريك الجلد اليابس للبعير ليفزع . « 6 » عبارة صبح الأعشى ج 1 ص 239 « هجرة إلى اللَّه » الخ والمعنى يستقيم على كلتا الروايتين .